صراع أمريكي-تايواني على صناعة الرقائق وتهديدات ترامب بالتعريفات

اشتعال الصراع الأمريكي التايواني على صناعة الرقائق الإلكترونية.

صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنَّ تايوان استحوذت على أعمال صناعة الرقائق الإلكترونية من الولايات المتحدة، مؤكدًا أنَّ واشنطن تسعى إلى استعادتها، ويأتي هذا التصريح ضمن سلسلة من المواقف التي اتخذها ترامب في إطار سياساته الاقتصادية الرامية إلى تقليل العجز التجاري وتعزيز الإنتاج المحلي.

ومنذ توليه الرئاسة، سعى دونالد ترامب إلى إحداث تغيرات في التجارة العالمية من خلال فرض رسوم جمركية على العديد من الشركاء التجاريين الرئيسيين. ووفقًا لوكالة \”فرانس برس\”، فإنَّ هذه السياسات تأتي في إطار سعي ترامب لتحقيق \”عصر ذهبي\” للاقتصاد الأمريكي، من خلال دعم الصناعات المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات الأجنبية.

في خطوة سريعة لمواجهة التهديدات التجارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن فرض تعريفات جمركية جديدة على الدول التي تعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري معها، أعلنت تايوان عزمها زيادة استثماراتها ومشترياتها من السوق الأمريكي بهدف تهدئة التوترات بين البلدين، وحماية صناعة أشباه الموصلات التي تُعد العمود الفقري لاقتصاد تايوان.

وقد جاء إعلان وزير الخارجية التايواني لاي تشينج تي بعد ساعات قليلة من تصريحات ترامب حول خطته الجديدة لفرض \”رسوم جمركية متبادلة\”، والتي تستهدف شركاء تجاريين كبار مثل تايوان التي بلغ العجز التجاري الأمريكي معها 73.9 مليار دولار العام الماضي.

الرقائق الإلكترونية: ساحة حرب جديدة بين أمريكا وتايوان

تلعب تايوان تلعب دورًا رئيسيًا في سوق صناعة الرقائق الإلكترونية العالمي، حيث تعتبر شركة TSMC أكبر مُصنّع لرقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة في العالم، إلا أنّ إدارة ترامب تتهم تايوان \”بسرقة\” هذه الصناعة من الولايات المتحدة، متوعدة بإعادتها إلى الداخل الأمريكي عبر سياسات تجارية أكثر صرامة.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أكدت الحكومة التايوانية استعدادها للتعاون مع واشنطن، حيث أبدى المسؤولون دعمهم لاستثمارات جديدة لشركة TSMC داخل الولايات المتحدة، وكانت الشركة التايوانية قد تعهدت في وقت سابق باستثمار 65 مليار دولار في بناء مصانع متطورة في ولاية أريزونا، لكن هذه المنشآت لن تمثل سوى أقل من 20% من إجمالي إنتاجها، ما يثير قلق إدارة ترامب التي تسعى إلى إعادة جزء أكبر من إنتاج أشباه الموصلات إلى الولايات المتحدة.

مع تصاعد التوترات، لوّح ترامب بإلغاء صفقات الدعم الحكومي التي حصلت عليها TSMC خلال إدارة الرئيس جو بايدن، مما يعرض تمويلًا يزيد عن 6 مليارات دولار للخطر؛ حيث ترى إدارة ترامب أن الاعتماد الكبير على تايوان في قطاع بالغ الأهمية مثل صناعة الرقائق الإلكترونية يُشكّل خطرًا استراتيجيًا على الأمن القومي الأمريكي، ما يدفعها لتسريع الجهود لإعادة بناء هذه الصناعة داخل الولايات المتحدة، وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية، حتى لو كانت حليفة.

تنافس محموم.. تعرّف إلى الدول التي تتصدر صناعة أشباه الموصلات

تايوان بين الأمن القومي والسياسة التجارية

تُدرك تايوان أنَّ هيمنتها على صناعة أشباه الموصلات المتقدمة يمنحها نفوذًا كبيرًا في العلاقات الدولية، خاصة في ظل تصاعد التوترات مع الصين، وترى أنَّ احتكارها لهذه التقنية الحيوية يُشَكِّل ضمانة أساسية للحصول على دعم الدول الديمقراطية في مواجهة أيّ تهديد صيني محتمل.

لكن في المقابل، ترى إدارة ترامب أنّ استمرار هذا الاحتكار التايواني يُمَثِّل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية، مما يدفعها إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة لإعادة توطين التصنيع داخل الأراضي الأمريكية.

لم يقتصر رد تايوان على الاستثمارات التجارية فحسب، بل تعهدت الحكومة التايوانية برفع الإنفاق الدفاعي من 2.5% إلى أكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي، في محاولة لتعزيز علاقاتها مع واشنطن. كما أكد الرئيس التايواني أنَّ بلاده ستظل \”الشريك التجاري الأكثر موثوقية\” للولايات المتحدة، لكنه أقرّ بأن السياسات التجارية الجديدة لإدارة ترامب تشكل تحديًا كبيرًا، ليس فقط لتايوان بل للعالم بأسره.

ومن جانبه يقول الدكتور يسري زكي: \”مع استمرار الصراع التجاري بين الولايات المتحدة وتايوان، تظل العلاقة بين البلدين مزيجًا معقدًا من التعاون الاقتصادي والمنافسة الاستراتيجية، وبينما تسعى تايوان للحفاظ على مكانتها كمُزوّد رئيسي لأشباه الموصلات، تحاول واشنطن الحد من اعتمادها على الموردين الأجانب، مما يجعل السنوات القادمة حاسمة في تحديد مستقبل هذه العلاقة الاقتصادية شديدة الأهمية\”.

يُذكر أن صناعة أشباه الموصلات من أكثر القطاعات الاستراتيجية عالميًا، حيث تعتمد عليها شركات التكنولوجيا الكبرى مثل Apple وNVIDIA وAMD، لذلك، فإنَّ أيّ تغيير في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وتايوان قد يكون له تأثيرات واسعة على سوق الإلكترونيات العالمي.

اقرأ أيضًا: كيف تحمي كوريا الجنوبية صناعة الرقائق من سياسات ترمب؟

صناعة أشباه الموصلات في تايوان

تعد تايوان اليوم واحدة من أبرز القوى العالمية في مجال صناعة أشباه الموصلات، حيث إنّها تلعب دورًا حاسمًا في سلسلة التوريد العالمية للإلكترونيات المتقدمة، ولم تصل إلى هذه المكانة بين ليلة وضحاها، بل تطورت على مدى عقود طويلة من البحث والتطوير والاستثمارات الاستراتيجية.

في الستينيات، بدأت تايوان رحلتها في عالم أشباه الموصلات من خلال استيراد التكنولوجيا الأساسية من الولايات المتحدة واليابان؛ حيث أدركت الحكومة التايوانية مبكرًا أهمية هذه الصناعة لمستقبلها الاقتصادي، مما دفعها إلى تبني استراتيجيات لتعزيز البحث والتطوير في هذا المجال. وقد كان تأسيس \”معهد أبحاث التكنولوجيا الصناعية\” (ITRI) عام 1973، والذي أصبح منصة لدعم الابتكار وتطوير المهارات المحلية، خطوة محورية في هذا الاتجاه.

ثمّ شهدت تايوان نقطة تحول رئيسية في الثمانينيات عندما تم تأسيس شركة \”تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة\” (TSMC) عام 1987، والتي كانت أوَّل شركة متخصصة في تصنيع الرقائق الإلكترونية وفق نموذج \”المسبك فقط\” (Foundry Model)، النموذج الثوري الذي سمح للشركات العالمية بالتركيز على تصميم الرقائق الإلكترونية بينما تتولى TSMC عمليات التصنيع، مما أدى إلى تقليل التكاليف وتسريع الابتكار في السوق.

بالتوازي مع ذلك، قامت الحكومة التايوانية بإنشاء \”حديقة العلوم الصناعية\” في مدينة هسينتشو، والتي أصبحت مركزًا لتجمع الشركات الناشئة والمتخصصة في التكنولوجيا المتقدمة، مما ساهم في بناء بيئة مثالية لنمو قطاع أشباه الموصلات.

هل تنجح في الحفاظ على عرش التكنولوجيا؟

مع دخول الألفية الجديدة، عزَّزت تايوان موقعها كأحد اللاعبين الرئيسيين في سوق أشباه الموصلات؛ حيث لم تقتصر الصناعة على شركة TSMC فقط، بل برزت شركات أخرى مثل \”يونايتد مايكروإلكترونيكس كوربوريشن\” (UMC)، والتي ساهمت في تطوير تقنيات تصنيع أكثر كفاءة.

وخلال هذا العقد، انتقلت تايوان إلى مستويات أكثر تقدمًا في التصنيع؛ حيث بدأت في إنتاج رقائق بمعايير 28 نانومتر و20 نانومتر، وهي تقنيات أساسية لدعم تطور الأجهزة الذكية والاتصالات الحديثة وإنترنت الأشياء (IoT).

أما في السنوات الأخيرة، فقد أصبحت تايوان في طليعة التقنيات الحديثة، حيث تفوَّقت في تطوير معالجات 7 نانومتر و5 نانومتر، والتي يتم استخدامها في الهواتف الذكية المتطورة، وأجهزة الكمبيوتر، والخوادم الفائقة، وأصبحت TSMC أكبر شركة لتصنيع الرقائق في العالم من حيث القيمة السوقية، متفوقة على منافسين كبار مثل Intel وSamsung.

هذا النجاح أدى إلى تعاون وثيق بين تايوان وأكبر الشركات العالمية، مثل Apple وNVIDIA وAMD، لتصنيع مُعالِجاتها، ومع هذا التقدم أصبحت تايوان في قلب المنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، إذ إنّ الدول الكبرى تسعى لتأمين إمداداتها من أشباه الموصلات وتخفيف الاعتماد على الموردين الأجانب.

قد يهمّك أيضًا: أمريكا تصدر الرقائق للإمارات.. هل تصبح بوابة الصين؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading